علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

72

الصداقة والصديق

[ تحليل العبارة ] قال أبو سليمان : يعني ألبسته « 1 » على هذه الحال التي هو عليها من ناحية الطبيعة ، فإنك في مسكه ، وخاط على مسلكه ، فاجتهد بالاختيار الرشيد ، والرأي السديد أن تجعل طبائعك الأربع طباقا لطبائعه الأربع ، أو طبائعه الأربع ، طباقا لطبائعك الأربع ، فإنك إذا قدرت على ذلك ، قدرت بعده على أن تتعرف روائد هذه الأربع ، ذاهبا بها نحو الاعتدال الذي هو صورة من صور الوحدة ، فإذا أنت صديقك ، وصديقك أنت ، على ما صرّح به كانيا ، أو على ما كنّى عنه مصرّحا ، فقد بان هذا الحديث من ناحية اللفظ ، والنطق ، والعبارة ، والإشارة ، وإن كان قد بقي علينا أن نجد هذا المطلوب من ناحية العيان والمشاهدة فإنّا إن وجدنا ذلك غنينا عن الخبر والاستخبار ، لأن الأثر لا يطلب بعد العين ، والحلم لا يتمنى بعد اليقظة ، والسّكر لا يحمد بعد الصحو . [ فاجر وعابد ] سمعت برهان الصوفي الدّينوري يقول : سمعت الجنيد يقول : لو صحبني فاجر حسن الخلق كان أحبّ إليّ من أن يصحبني عابد سيّئ الخلق . قال [ برهان ] : لأن الفاجر الحسن الخلق يصلحني بحسن خلقه ، ولا يضرّني فجوره ، والعابد السيئ الخلق يفسدني بسوء خلقه ، ولا ينفعني بعبادته ، لأن عبادة العابد له ، وسوء خلقه عليّ ، وفجور الفاجر عليه ، وحسن خلقه لي . [ الكلام عن الأخلاق ] وفي الأخلاق كلام واسع نفيس على غير ما وجدت كثيرا من الحكماء يطيلون الخوض فيه ، ويعوّصون المرام منه ، بتأليف محرّف عن المنهج المألوف ، ولو ساعد نشاط ، والتأم عتاد « 2 » ، وقيّض معين ، وزال الهم بتعذر القوت لعلنا كنا نحرر في الأخلاق رسالة واسطة بين الطويلة

--> ( 1 ) ج ق - السه . ( 2 ) العتاد : العدّة لأمر ما تهيئه له .